يُعد الديجوكسين، وهو جليكوسيد قلبي يُستخدم لعلاج قصور القلب وبعض اضطرابات نظم القلب، من الأدوية التي طُوّرت في أواخر القرن الثامن عشر، وأصبح استخدامه واسعًا في الممارسة السريرية خلال القرن العشرين.
تتميز تاريخه بفعاليته في تحسين قوة انقباض عضلة القلب والتحكم في معدل البطين، إلا أنه يرتبط أيضًا بهامش علاجي ضيق يتطلب ضبط الجرعات بدقة ومراقبة مستمرة لتجنب السمية.
يُدرج الديجوكسين ضمن عدة بروتوكولات علاجية لفشل القلب والرجفان الأذيني. وقد أبرز تطوره واستخدامه السريري أهمية المراقبة العلاجية لمستويات الدواء في الدم، خاصة لدى المرضى الذين يعانون من قصور كلوي أو الذين يتناولون أدوية قد تتفاعل معه.
الأسماء التجارية
لانوكسين (Lanoxin) – أحد أشهر العلامات التجارية للديجوكسين
ديجوكس (Digox) – يتوفر في بعض الدول بأشكال دوائية فموية وحقنية
آلية العمل
الديجوكسين هو جليكوسيد قلبي يعمل عن طريق تثبيط مضخة الصوديوم-البوتاسيوم ATPase في خلايا القلب. يؤدي هذا التثبيط إلى زيادة تركيز الصوديوم داخل الخلية، مما يرفع بدوره مستوى الكالسيوم داخل الخلية عبر مبادل الصوديوم-الكالسيوم، وبالتالي يعزز قوة انقباض عضلة القلب محدثًا تأثيرًا إيجابيًا في قوة الانقباض (Positive inotropic effect).
بالإضافة إلى ذلك، يبطئ الديجوكسين التوصيل عبر العقدة الأذينية البطينية (AV node) ويزيد من نغمة العصب الحائر (Vagal tone)، مما يؤدي إلى تأثير سلبي على معدل ضربات القلب (Negative chronotropic effect)، ويساعد على التحكم في معدل القلب، خصوصًا في حالات الرجفان الأذيني.
الحركية الدوائية
الامتصاص
يمتص الديجوكسين جيدًا عند تناوله عن طريق الفم، وتختلف نسبة التوافر الحيوي حسب الشكل الصيدلاني. تحقق الأقراص والكبسولات القياسية عادةً توافرًا حيويًا يتراوح بين 60–80%، بينما قد تصل المستحضرات السائلة أو الإكسير إلى 90–100%.
التوزيع
يمتلك الديجوكسين حجم توزيع كبير يبلغ حوالي 4–6 لتر/كغ، مما يعكس ارتباطه الواسع بالأنسجة، خصوصًا في القلب والكلى والكبد والعضلات الهيكلية. يوجد جزء صغير فقط من الدواء في البلازما، بينما يتوزع معظمه داخل الأنسجة حيث يمارس تأثيره العلاجي.
الاستقلاب
يخضع الديجوكسين لعملية استقلاب كبدي محدودة جدًا، حيث يبقى معظم الدواء دون تغيير. يتم استقلاب نسبة صغيرة فقط بواسطة إنزيمات الكبد إلى مستقلبات غير فعالة. ونظرًا لأن الديجوكسين يُطرح بشكل أساسي عن طريق الكلى، فإن وظائف الكبد لها تأثير محدود على التصفية الكلية للدواء، رغم أنه قد تحدث بعض الاختلافات البسيطة في الاستقلاب لدى المرضى المصابين بأمراض كبدية شديدة.
الإطراح
يُطرح الديجوكسين بشكل رئيسي دون تغيير عن طريق الكلى عبر الترشيح الكبيبي والإفراز الأنبوبي، حيث يتم إخراج حوالي 50–70% منه في البول. يتراوح عمر النصف للتخلص من الدواء بين 36 إلى 48 ساعة لدى الأشخاص ذوي الوظيفة الكلوية الطبيعية، لكنه قد يطول بشكل كبير في حالات القصور الكلوي، مما يزيد من خطر السمية.
الديناميكا الدوائية
يؤثر الديجوكسين بشكل أساسي على القلب من خلال زيادة قوة انقباض عضلة القلب وتنظيم التوصيل الكهربائي. يعمل عن طريق تثبيط مضخة الصوديوم-البوتاسيوم ATPase، مما يؤدي إلى زيادة تركيز الكالسيوم داخل خلايا القلب، وبالتالي إحداث تأثير إيجابي في قوة الانقباض (Positive inotropic effect) يعزز النتاج القلبي.
كما يبطئ الديجوكسين التوصيل عبر العقدة الأذينية البطينية (AV node) ويزيد من نغمة العصب الحائر (Vagal tone)، مما يؤدي إلى تأثير سلبي على معدل ضربات القلب (Negative chronotropic effect)، ويساعد في التحكم في معدل القلب في حالات الرجفان الأذيني.
طريقة الإعطاء
يمكن إعطاء الديجوكسين عن طريق الفم أو الوريد حسب الحاجة السريرية. تُستخدم الأشكال الفموية مثل الأقراص والكبسولات والمحاليل للعلاج طويل الأمد لقصور القلب والرجفان الأذيني، وعادةً ما تُؤخذ مرة واحدة يوميًا في نفس الوقت للحفاظ على مستويات ثابتة في الدم. أما الإعطاء الوريدي فيُستخدم للتحكم السريع في حالات قصور القلب الحاد أو اضطرابات النظم فوق البطينية، ويجب إعطاؤه ببطء لتجنب المضاعفات القلبية.
الجرعات والتركيزات
للبالغين، يُعطى الديجوكسين فمويًا بجرعة تتراوح بين 0.125–0.25 ملغ مرة واحدة يوميًا لعلاج قصور القلب أو التحكم في معدل القلب في الرجفان الأذيني، مع تعديل الجرعة حسب وظائف الكلى والعمر ووزن الجسم.
أما الإعطاء الوريدي فيُستخدم للتحكم السريع في الحالات الحادة، عادة بجرعة 0.25 ملغ عن طريق الوريد خلال 5 دقائق، ويمكن تكرارها كل 6–8 ساعات عند الحاجة حتى الوصول إلى الجرعة التحميلية الكلية.
تتوفر الأشكال الفموية بتركيزات 0.0625 ملغ، 0.125 ملغ، 0.1875 ملغ، و0.25 ملغ على شكل أقراص، بالإضافة إلى محلول فموي بتركيز 0.05 ملغ/مل.
التفاعلات الدوائية
يمتلك الديجوكسين العديد من التفاعلات الدوائية بسبب هامش الأمان العلاجي الضيق واعتماده على الإطراح الكلوي. تشمل الأدوية التي قد تزيد من مستوياته في الدم: فيراباميل، أميودارون، كينيدين، وبعض المضادات الحيوية من مجموعة الماكروليد، مما يزيد خطر السمية.
في المقابل، قد تؤدي أدوية مثل ريفامبيسين، عشبة القديس يوحنا (St. John’s Wort)، وبعض مضادات الحموضة إلى تقليل امتصاص الديجوكسين أو خفض مستوياته في البلازما، مما يقلل من فعاليته.
كما أن اضطرابات الشوارد الناتجة عن مدرات البول، خصوصًا نقص البوتاسيوم أو المغنيسيوم أو ارتفاع الكالسيوم، يمكن أن تعزز تأثير الديجوكسين وتزيد خطر اضطرابات نظم القلب.
تفاعلات الطعام
يمكن أن يتأثر امتصاص الديجوكسين ببعض الأطعمة والمكونات الغذائية. قد تقلل الوجبات الغنية بالألياف من امتصاصه، مما يؤدي إلى انخفاض فعاليته، لذلك يُنصح بتناوله بشكل منتظم وبنفس التوقيت بالنسبة للطعام.
كما أن الأطعمة أو المكملات الغنية بالنخالة (Bran) أو قشور السيليوم أو بعض المنتجات العشبية قد ترتبط بالديجوكسين في الجهاز الهضمي وتقلل من توافره الحيوي.
موانع الاستعمال
يُمنع استخدام الديجوكسين لدى المرضى الذين لديهم حساسية معروفة تجاه الدواء. كما يُمنع في حالات الرجفان البطيني أو بعض أنواع تسرّعات القلب البطينية غير المرتبطة بقصور القلب.
ويجب الحذر في حالات بطء القلب الشديد، أو الحصار القلبي (Heart block) دون وجود منظم ضربات القلب، أو متلازمة العقدة الجيبية المريضة، حيث قد يؤدي الديجوكسين إلى تفاقم اضطرابات التوصيل القلبي.
الآثار الجانبية
• الغثيان والقيء
• الإسهال
• فقدان الشهية
• التعب والضعف
• الدوخة أو الصداع
• بطء القلب
• اضطرابات نظم القلب (خوارج انقباض بطينية أو أذينية)
• الحصار الأذيني البطيني (AV block)
• تشوش أو اصفرار الرؤية
الجرعة الزائدة
تُعد جرعة الديجوكسين الزائدة حالة خطيرة قد تهدد الحياة بسبب هامش الأمان الضيق، وغالبًا ما تسبب اضطرابات نظم القلب مثل بطء القلب، تسرع القلب البطيني، أو الحصار الأذيني البطيني.
قد تشمل الأعراض غير القلبية الغثيان، القيء، الإسهال، الارتباك، الدوخة، واضطرابات بصرية مثل تشوش الرؤية أو اصفرارها.
يكون العلاج داعمًا وأعراضيًا، ويشمل إيقاف الدواء، تصحيح اضطرابات الشوارد (خصوصًا البوتاسيوم والمغنيسيوم)، ومراقبة نظم القلب.
السمّية
تحدث سمّية الديجوكسين عند تجاوز مستوياته النطاق العلاجي، وغالبًا نتيجة الجرعة الزائدة أو ضعف وظائف الكلى أو التداخلات الدوائية أو اضطرابات الشوارد.
تُعد التأثيرات القلبية الأكثر خطورة، وتشمل بطء القلب، الحصار الأذيني البطيني، واضطرابات نظم بطينية قد تهدد الحياة.
كما تظهر أعراض هضمية مثل الغثيان والقيء والإسهال مبكرًا، إضافة إلى أعراض عصبية مثل التعب والارتباك واضطرابات بصرية كتشوش الرؤية أو اصفرارها (Xanthopsia).
يزداد خطر السمية لدى كبار السن، ومرضى القصور الكلوي، والمرضى الذين يعانون من نقص البوتاسيوم أو المغنيسيوم أو ارتفاع الكالسيوم.